7945157
Replica louis vuittn replica handbags affluence items tend to commonly be actual top in demand. In fact, the amount of humans that replica louis vuitton crave for these items has added absolutely considerably. Today, humans wish to replica watches accept the best of everything, but don consistently accept the money for replica watches it. Murakami`s Cherry Blossom arrangement of animated animation faces breitling replica and blush and replica louis vuittn chicken flowers aswell replica watches succeeded in bringing boyhood to the table and bringing added action to Louis Vuitton handbags. LV food replica watches in Moscow, Russia and in New Delhi, India opened, while the Utah and Suhali collections were replica watches uk aswell released. The 20th ceremony of the LV Cup was aswell commemorated.
 
(البناء الفني في الرواية الكويتية المعاصرة) فصل2- مبحث2(ب)
الكاتب :زينب عيسى صالح الياسي
عدد مرات القراءة:1958

الفصل الثاني- المبحث الثاني (ب)

* العلاقات الأسرية.    

     من أهم العلاقات الاجتماعية التي برزت في الرواية الكويتية هي العلاقة بين أفراد الأسرة الواحدة في الأسرة الممتدة[1]. التي مثلت أنموذجاً للتواصل و العلائق الاجتماعية المتميزة عن غيرها من العلائق الاجتماعية الأخرى ( كعلاقة الجيرة ـ الصحبة... )، فمن خلال هذه البؤرة الاجتماعية يأتي الكثير من القضايا و العادات و التقاليد الاجتماعية التي طرحتها الرواية الكويتية، و عبَّرت عنها بصور مختلفة، و وِفْقَ رؤى متباينة، يحمل كل كاتب زخمه المعرفي ليطرحه حول هذه الكتلة الاجتماعية، التي تحمل خاصية و سمة متفرّدة، هي الترابط و التوحّد و المشاركة في الهموم و الأحزان و بموازاته الأفراح، بحيث يصبح الفرد جزءاً من جسد الأسرة، التي تقوم باحتوائه و معالجة مختلف قضاياه، و تتعاون الأسرة قريبها و بعيدها لنشر الصفاء بين أفراد الأسرة، و قد مثَّل الكاتب عبد اللطيف خضر في روايته "أحلام في مهب الريح" هذه العلائق بطريقة جمالية فيها من الواقعية الشيء الكثير، حيث عرض مشكلة بطل روايته (حبيب) مع والده، واختلافهما معاً، مما اضطر الخال (يونس) و زوجة الخال(الشمّاء) للتدخل  و تصفية الوضع مع الوالد لتعود المياه إلى مجاريها، و كيفية دخولهم كوسطاء للصلح[2].

      وكذلك نجد وسيط الخير يتحرّك في دوائر أكبر و أوسع، بحيث يعالج الأكبر سناً العلائق بين أبناء العائلة و بين القانون و النظام، حينما طلبت الأم (طيبة) من الأب (هائل) أن يذهب للمخفر و السؤال عن ابن أختها (رياح) من أجل خاطر أمه الحزينة [3]. 

         هذه الوساطة كانت سمة للعلائق الأسرية، و الجيرة، التي تتطلب

 النخوة و المساعدة و القيام بنصرة بعضهم بعض، مما جعل الأفراد محصّنين من قبل أسرهم، ينتشلونهم في أوقات الأزمات و العثرات، و يلجأ الأفراد إلى أهل الحصافة و الرأي من العائلة لحل معضلاتهم و أزماتهم، فالفرد لا يشعر بالعزلة لأن هناك من يحتضن آلامه و يواسيه، و ينهض به من كبواته.

     و من الرواية الكويتية المعبّرة عن الحياة الاجتماعية المعاصرة، نجد الكاتبة خولة القزويني في روايتها " البيت الدافيء"، تطرح وسيط الصلح في العديد من المواقف الأسرية، فالوسيط  عندها يكون محل احترام و قبول من الأطراف المتخاصمة، مما يسهل عودة المياه إلى مجاريها و صفاء القلوب، حين تذهب (ميساء) إلى (محمد) أخ الزوج، من أجل إعادة زوجته (فتوح) : ( ـ أظن أن من المناسب الآن أن نعيد الشمل.

اكفهر وجه محمد :

ـ ماذا تقصدين ؟

انطلقت ميساء تزف البشرى له :

ـ لقد تغيرت فتوح يا محمد، جاءت إلي و اعتذرت باكية و هي مستعدة أن تكون رهن إشارتك مدى الحياة....)[4].

و إذا ما وجد وسيط الصلح الطرق مسدودة، وقف في الواجهة كشخص لا يمكن ردّه، أو تجاوز مَقدمه و وساطته إلاّ بالقبول و التسليم:

(ـ من أجلي أنا يا محمد، فلتكن آلامنا و مشاكلنا الضريبة لمعرفة الحقيقة الصائبة.)[5].

      إن العلائق الأسرية في نص الكاتبة خولة القزويني أو نصوصها الأخرى تمثل بؤرة و منطلقاً لرسم عالم أكبر لمجتمع يعيش مختلف العلائق الأسرية بأتراحها و أفراحها بتأزماتها و انفراجاتها ؛ فتقوم الكاتبة و غيرها من الكتّاب بكشفها للمتلقي و جعلها تحت المشرط و ذلك بغية تشريح مختلف العلائق التي هي بالأساس نتاج تشكل داخلي من الأسرة، و من ثم لها تشكل في الخارج، فتقدمها بصورتها الواقعية مع أدواتها المعالجة و ذلك من أجل تصحيح المسار للنواة الاجتماعية الأولى و المتمثلة هنا في الأسرة.

* العلائق بالأقليات الاجتماعية.

              ارتبطت دولة الكويت بالأقليات الاجتماعية منذ فترة طويلة تعود إلى النصف الأول من القرن العشرين، حيث بدأت الحياة الاقتصادية و الثقافية  و العمرانية في الانتعاش، من أجل بناء دولة الكويت على جميع الصُّعُد، مما تطلّب حضوراً للأيدي العاملة في مختلف المجالات، و مِن مختلف الأصقاع،    و استتبع هذا الأمر تواصلاً من نوع آخر للإنسان الكويتي مع هذه الفئة، تلاقِيَاً فيه من القبول أحياناً[6]، و من التنافر أحياناً[7]، و لكن يبقى لهذا المجتمع المجاور معاناته، و آلامه الخاصة التي يُنَمّيها الاغتراب و البُعد عن الوطن  و الأحباب، و نجد اغتراب (حلمي) في رواية "ظل الشمس" للكاتب طالب الرفاعي، تعبّر عن الحالة النفسية السيئة التي يعيشها المغترب، و الظروف المعيشية الصعبة التي يمرّ بها.

          و نجد موضوع معاناة هذا المغترب، تبدأ قبل غربته عن بلده من أوضاعه المعيشية السيئة، فهو لا يستطيع شراء الملبس الجديد لابنه الوحيد إلاّ بمشقة :

( خطف سعد الكيس، أَصَرّ يفتحه بنفسه. فرح هو. لبس القميص الجديد. رفض أن ينزعه. قالت سنيّة : " فرحان يا عيني، نسينا الهدمة الجديدة".

جرحتني جملتها. نظرتُ إليها. أزاحت خصلة شعر عن جبهتها.

" أنتِ تعرفين البير و غطاه.." عتبتُ عليها.)[8]

هذا الوضع المادي الصعب جعله يفكر بالغربة، و ما قد يجنيه منها، بعد أن رأى الأبواب موصدة من حوله للنهوض بوضعه. وجد الحل بالسفر، فقال مقرراً :

(ـ لابدّ أن أسافر يا أبي.لا حل آخر أمامي. راتبي ينتهي مع الأسبوع الأول.)[9]

 و ما يحمله من التزامات و مسؤوليات، يضطره لمواصلة حملها على كاهله في الغربة، و يزيد بهذا من حجم معاناته، فهو في بلده يعيش براتبه، و في الكويت لم يحصل على راتبه  :

( ثمانية أشهر ما عرفت من كويت الثراء إلاّ فيلا مدام نجاة. دخلتها و خرجت منها كما أنا، لم أستلم فلساً واحداً...)[10]

 و في  بلده كان يعيش بين أحلامه، أمّا في الكويت فلا حلم عاد له :

( حلمت بالكويت، كويت البترول و الفلوس، كويت الحلم الكبير، الذي سرعان ما تبخر...)[11]

 فهو يعيش بديونً جديدة حال استقراره في الكويت، مما أوقعه في هموم،            و إخفاقات متوالية، تضيف إلى جحيمه (الاغتراب) جحيماً آخر، و من ثم يقع في علاقة محرّمة، تسلمه في آخر الأمر إلى السجن :

(ـ " محكمة.. حكمت.. خمسة عشر عاماً مع الشغل و النفاذ ".)[12]

         و من زاوية أخرى، نجد العلائق و التواصل المرتبك، الذي يسوده الاضطراب، و التشتت حاضراً بصورة جلية في رواية  " بعيداً إلى هنا" لإسماعيل فهد إسماعيل، فاللغة تشكّل عائقاً عن التلاقي،  إلى جانب المشاعر و المشاكل التي يعيشها المغترب ـ و هنا الخادمة ـ يجعل من التواصل بين الطرفين شبه مستحيل، و يلقي بالخادمة إلى زنزانة السجن و يفضي بها لأن تقرر الخلاص لنفسها في لحظة يأس :

(عيناك تدوران تستكشفان تدققان خلل الأجساد النائمة.... تستقر إلى سكين صغيرة بحجم الإصبع. "وفاء الغرض" )[13].

و بموازاة حالة التنافر و البُعد عن التواصل السليم في الروايتين السابقتين، نجد حمد الحمد في روايته " زمن البوح" يعرض لحالة التواصل الإيجابي بين شخصيات روايته ـ منال الكويتية و زهور المصرية ـ و حواراتهما الأنثوية الخاصة، التي تبرز صورة حضارية للتواصل الإنساني الحميم و البعيد عن تعقيدات الحضارة المادية[14]، و كذلك عرضه لحالة الاندماج بين مختلف فئات المجتمع، و بشكل خاص بين المواطن الكويتي ومن لا يملكون أية هويّة مُواطَنَة [15]، و يعرض حمد الحمد علاقة " مجبل" الذي لا يملك الجنسية مع أصدقائه الكويتيين، و خلقه الرفيع مما جعله محبوباً من قبل الجميع، فهم يقومون بزيارته في حال مرضه، و يتواصلون معه بصورة إنسانية و أخوية راقية، فيقول مجبل و هو في المشفى :

(ـ يا وليد... قل للجميع ترى عيالي حياتهم معلّقة برقاب أهل الخير.. لأني.. يمكن.. تذكرتي دون رجعة....)[16]

         لقد فتحت رواية حمد الحمد "زمن البوح"  الطريق لصورة مؤملة للعلاقة      و التواصل الأمثل في زمن تعددت فيه المرجعيات و الرؤى، مما جعل بيئة "صحيفة الشروق" كمكان روائي، مجتمعاً مثالياً لعرض هذا التلاقح و التثاقف المختلف، و هو بهذا حفّز الحوار الراقي المستند على الأدلة، و على أن الرأي المختلف لا يفسد للود قضية، فكل فرد من أفراد الصحيفة له فكره، الذي يختلف عن الآخر، لكن في نهاية المطاف الجميع يدرك أن الحوار هو السبيل للوصول إلى نقطة التقاء :

(ـ... متى بدأت ـ تلصق التهم بصاحب الرأي المخالف.. انتهت عملية الحوار رغم أن الحوار بين طرفين مختلفين مفيد جداً.

ـ و شنهو الدليل؟

ـ الدليل واضح.. لأني قرأت رأياً لكاتب عربي يقول : قناعتي أن الاختلاف شيء إيجابي فنحن نستفيد من العيش مع من نختلف، أكثر مما نستفيد ممن يشاركوننا نفس الرأي، لهذا كونك تحمل رأياً مختلفاً.. أعتقد أني سأستفيد من رأيك لأني أكتشف وجهاً آخر.)[17]

        في ختام هذا القول في هذا الجانب، أصل إلى أن الرواية الكويتية عبّرت في مُجْمَل أطروحاتها و قضاياها عن واقع اجتماعي عاشه و يعيشه الإنسان الكويتي، و إنْ بصورة متباينة بين كاتب و آخر، و لكنهم يصبّون جميعاً في مصبٍّ واحد، و هو الواقع، الذي عكسه إبداعهم كما يرى ناقد الواقعية جورج لوكاش، و هذا الانعكاس لم يكن تطابقاً مرآويّاً تاماً للحياة، بحيث يُبعد النص عن الإبداع، الذي هو خَلْقٌ للواقع بصورة جديدة، بل كان الانعكاس لديهم فنياً جمالياً، بحيث إنّ أعمالهم الروائية احتوت عناصر من الواقع تمازجت و تشابكت مع خيال فني، جعل من أعمالهم بنية كلية، ذات كثافة معمّقةٍ، تفوق خبرة الحياة المباشرة، و الواقع الفعلي و تتجاوزه إلى ما هو مؤمَّل و منشود (بغية كشف واقع آخر، واقع تتلمس فيه أركولوجية الرصد و استشراف المستقبل).[18]

       كما يمكننا القول: إن الرواية الكويتية شكلت توثيقاً حضارياً و طوبوغرافيا اجتماعية لمجتمع الكويت في مختلف علاقاته الاجتماعية، التي اتسم بها، و هي التي وشمته و ميّزته عن سواه.

2) الموضوع السياسي.

      لقد كان للجانب السياسي حضور واضح في الرواية الكويتية في فترة التسعينيات، و ذلك لما شكّلته هذه الفترة (1990ـ1999م) من مفترق طرق لدولة الكويت من حيث أوضاعها الداخلية، و علاقاتها الخارجية مع دول المنطقة و العالم بأسره، فقد كان حدث الغزو على دولة الكويت، من قبل دولة شقيقة  مجاورة (جمهورية العراق) حدثاً يتقاطع بشكل حاد مع القيم و المفاهيم السياسية، التي كانت تحكم علائق دولة الكويت و دول المنطقة، و غيّر الكثير من التوجهات و النظرة إلى الواقع الداخلي و الخارجي، و ضرورة الترميم المتكامل لمجمل الأوضاع و الروابط، مما يتطلب معالجات إدارية و سياسية و قوانين دستورية تنتظم العلاقات الدولية، بحيث تحفظ الدولة و أركانها من الانهيار و التزعزع من قبل أي دخيل.

        و من جانب آخر، شكل الغزو العراقي لدولة الكويت الحدث و الموضوع الأكبر لمعالجات كُتّاب و أدباء الكويت، فدارت في فلكه العديد من الإبداعات الروائية و القصصية[19]، فعبّرت عنه بتوثيقية حيناً[20]، و بشيء من الخيال حيناً آخر[21]،  ولكنه يبقى حدثاً واقعياً لا مفر من تعامل الكتّاب معه بشيء من الواقعية الممزوجة بالخيال[22]، الذي يرقى به إلى مصاف الفن الإبداعي.

و في الرواية الكويتية، جاءت الموضوعات السياسية على نوعين :

أ) موضوع سياسي محلي (مقاومة) [23]. ب) موضوع سياسي قومي[24].

        و يمكننا القول، إن الكاتب و الأديب إسماعيل فهد إسماعيل قد تميّزت معالجاته في هذين النوعين بصورة فيها من العمق و الابتكار الشيء الكثير، فقد أفرد رواية "إحداثيات زمن العزلة" بأجزائها السبعة من أجل معالجة الموضوع السياسي المحلي، و عرض تفاصيل المعاناة الكويتية و الإحباطات و الأزمات في داخل الكويت و صولاً إلى يوم التحرير، و من ثم أفرد روايته "يحدث أمس" للتعبير عن همٍّ قومي، و ما يحمله المواطن العربي من هموم و اضطرابات مع الأنظمة الحاكمة[25]، و سوف أقف عند النوعين من الموضوعات السياسية في الرواية الكويتية، لأصل إلى جوانب معالجة الموضوع السياسي في الرواية الكويتية، و مدى الإلمام به من نواحيه المختلفة.

1) الموضوع السياسي المحلي (المقاومة ).

      لقد تعرّضت دولة الكويت في الثاني من أغسطس من عام 1990م[26] لحدث سياسي داخلي، عُدّ الحدث التاريخي الأهم، حيث تعرضت البلاد لمحنة عظيمة بغزو النظام العراقي لدولة الكويت، و استباحته لأراضيها، و تدمير مؤسساتها  و دوائرها الرسمية، و إعلانها جزءاً من دولته، بعد أن أعلن النظام العراقي دولة الكويت المحافظة التاسعة عشر، و ضَمّه إياها إلى محافظات العراق        و تسميتها كاظمة، مما جعل الشارع العربي ـ بشكل عام ـ  يقف موقف المضطرب المنقسم بين هذا و ذاك، بين مستنكر و مؤيد، مما فجر أزمة حقيقية، تتطلب دعماً دولياً عاجلاً لإعادة كيان الدولة المنهارة، و رأب الصدع، الذي شلّ أجهزة الدولة المختلفة.

      و بالعودة إلى هذا الحدث كموضوع في الرواية الكويتية، نجده حاضراً بما يشبه الملحمية النثرية في إبداع إسماعيل فهد إسماعيل من خلال سباعيته[27] "إحداثيات زمن العزلة"، و لقد جاءت هذه الرواية و غيرها من إبداعات الكُتّاب الآخرين [28]، لتكون ( معبّرة عن نوازع وطنية تخدم الوطن في حالة الكبوة، فتبرز ثقافته و حضارته و ماضيه و حاضره وبُعْده الزماني و المكاني و مجالاته الحياتية و الاجتماعية، و ما يبرز عند شعبه من مواقف و عادات و تقاليد )[29]، هي إرثه الحقيقي الذي يتجلّى في اللحظات الحرجة، حيث تتلاشى الحياة المادية بصخبها، و يبقى الحضور للموروث الأصيل من علاقات و تعاملات و أخلاقيات، كانت هي المساعدة ـ في زمن مضى ـ على تحمل وطأة الحياة  و صعوبتها، و لتكون في زمن المحنة تلك العشبة القديمة التي خُبئت بين طيات الذاكرة، لتنهض بالإنسان، فتكون له عوناً و ملاذاً و شفاء.

       لقد تفجّرت إبداعات الكُتّاب، لتكون بمثابة "رواية غضب"، يناضل من خلالها كل كاتب من أجل الحق، و الأرض المستباحة، فيشارك شعبه الأحداث في الحياة الواقعية[30]، و يعبّر بها عن حالة الغضب المعتمل في نفسه، و ذلك بقصد التنبيه بوصف ما حدث من ظلم و تجاوز و (يسعى في كتاباته إلى وضع الحلول، و لو بصورة غير مباشرة من أجل التغيير إلى الأفضل )[31]، فهو يرى الواقع، و يعكسه في نصه ممزوجاً بواقع يأمله:

( أيامه تلك و توقه مشاركته تشكيل الحياة نحو وضع أفضل من خلال معارضة

 وضع قائم. أيامه هذه.. هيمنة الاحتلال و استهدافه الحياة ذاتها، تدمير الكيان العام، مسخ الهوية بقصد طمسها أبداً.

أيامه تلك.. مجال الاختيار يمنح إمكانية المفاضلة. أيامه هذه يتحدد اختياره.. يكون، أو لا يكون بالمرة.)[32]

         فالرواية الكويتية جاءت لتصوّر الواقع الاجتماعي الجمعي، لا الواقع الفردي، و ذلك لأنها تبرز البطولة الجماعية[33]، حيث يعلو المستوى الوطني،   و الإنساني عند المجموع، و ليس بصورة فردية استثنائية، من هنا نجد حال مختلف أفراد المجتمع، كلٌ يقوم بمهمته، و واجبه الوطني، فنرى المرأة تقوم بعملها النضالي تجاه الوطن، كما يقوم به الرجل جنباً إلى جنب، و يرتدي الكل لباس النضال، فالنساء يقمن بالتنظيم للمظاهرات، من أجل إسماع المحتل صوتهن و رفضهن له : ( كانت إيمان على عجلة من أمرها :

ـ استعداد مظاهرة تطوف شوارع منطقة الرميثية عصر اليوم.

ـ لم تتوافر لسلطان فرصة يسألها[34].. لماذا الرميثية.

ـ تحاشيا لصدام دموي مع قوات الاحتلال جرى اتفاق أن تقتصر المظاهرة على النساء.)[35]

          كما نجد الدور النضالي للمقاومة داخل الكويت، و التنبه إلى ضرورة وجود المركزية في حركتهم الرافضة للاحتلال، مما  يجعل من العمل التحرري عملاً منظَّماً :

( ـ أن نسعى إلى التنسيق بين فصائل المقاومة الكويتية المتفرقة من أجل توحيدها مطلب ضروري هام..

أبدى الفيلكاوي وجهة نظره. ختم :

ـ.. أمّا أن نعلن عن تشكيل قيادة عامة على مستوى البلد..)[36]

         و لكن جاءت الرواية الكويتية لتعرض هذا الموضوع بشيء من التسجيلية للأحداث و الأحوال، مما يُعدُّ تصنُّعاً للرواية التاريخية[37]، و يكون مدعاة في الكثير من الأحيان للرتابة و التوثيقية، التي تُبعد القارئ عن الفن :

( الإرادة الدولية ممثلة في قرارات مجلس الأمن، العالم من أقصاه إلى أقصاه يطالب النظام العراقي بسحب جيوشه من الكويت، بهدف أن تعود لها شرعيتها. النظام العراقي يتحدّى.. يرفض يستجيب.

طوق المقاطعة الدولية يزداد إحكاماً يوماً بعد يوم.الاحتلاليون يماطلون. يراهنون على الوقت.

محللون سياسيون من شتى أرجاء العالم يؤكدون.. احتلال العراق للكويت ليس سوى عنق زجاجة حشر نظام بغداد نفسه فيه.)[38]

       و لعلّ مرجعية قيام الكُتّاب و الأدباء بعرض الوقائع التاريخية ـ و خاصة عند إسماعيل فهد إسماعيل ـ هو إيمان قوي بأهمية الوعي التاريخي ( و استعادة ـ هذا ـ الوعي، كوسيلة للتحرر ـ و هي ـ مهمة من أسمى مهام الفكر الإنساني )[39]. و لذا نجد الحضور التوثيقي الواضح بين جميع الأحداث، مما يسير بالموضوع في طريق الواقعية الفنية، التي تحفظ للذاكرة ماضيها، و راهنها، للسير إلى مستقبلها :

( الكويت تحت الاحتلال. الإضراب العام بشموليته يذهل العالم، و يصيب المحتل بهستيريا، هي خليط من الغضب و الحقد و الحيرة و العجز، و ليس من متنفس أمامه سوى البطش، و مزيد منه.

مقابل ذلك يتجلّى ـ أكثر فأكثرـ منحى التآلف و التآزر و الإيثار ما بين الكويتيين  و الكويتيين و جماهير غفيرة من المقيمين.)[40] 

          و في خضم هذه التوثيقية، و التنقل التاريخي الدقيق بين الأحداث، يأتي الجانب الفني كقطرات من الرذاذ على روح القارئ، فتنعشه و تنعش معه النص، و تنقله إلى فنية راقية، من خلال عرض اضطراب الشخصيات في لحظات تأزمها :

( لم يعن ينظر إلى معصمه، و نظر إلى أغصان شجرة سدر قريبة. شعور التآلف، و مشاركة صامتة كئيبة.

"الاحتلال لا يطال البشر وحدهم.."

سمع حفيف خطوات مقتربة. شيرين.

"ليست مصادفة عفوية!".

حس الاكتشاف يمنح الفرح طعم المباغتة.

ـ ما الذي يؤرقك؟!

حضورها الأنثوي الرائق. اهتمامها القلق. آثر [41]يبقي رده داخله..

" ما الذي لا يؤرق" )[42]

         هذه الموضوعات برغم ثانويتها، كانت بمثابة الواحة الظليلة بين أحداث تتجادب في الموضوع الرئيس ؛ فالنص بما يمتلكه من زخم توثيقي و ما يضخه من كم للحقائق تجفف من أروقة النص، و تجعل الكاتب بحاجة إلى شيء يخرج المتلقي إلى خيال شفيف، يخلق نوعًا من التوازن بين ما هو توثيقي و ما هو خيالي، فلا يعود النص نصاً تاريخياً توثيقياً بحتاً بل يمتلك الروح الأدبية المستساغة.

         و من جانب آخر، نجد الرواية تعج بعرض الحالات الإنسانية، التي يتمازج فيها الواقعي بالتخييلي، حيث يقوم بعرض العلائق بين المواطن الكويتي

 و المجتمع المجاور و التكاتف الإنساني الفريد بينهما :

( ـ .. من واجبنا نحن..

و هو يتلفظ كلمة "نحن" أحس بالمسؤولية تحفزه أكثر من كونها تثقل كاهله.

ـ.. بصفتنا شعبين.. كويتي و فلسطيني.. ارتبط مصيراهما بهذه الأرض..)[43]

         و في موقف آخر،  بعد أن أخبرته الخادمة ( ليتا) عن وضع جاليتهم في البلد، هبّ لنجدتهم، فذهب معها إلى السفارة الفلبينية محملاً بمستلزمات أساسية للحياة : ( تم إفراغ حمولة السيارة خلال دقائق. عشرات من الرجال تناوبوا عليها. كان سلطان بصدد يغادر.

ـ مرحباً

أحدهم يقف عنده يسترعي انتباهه بأدب جم. التفت.

ـ أهلا.

أجاب تحية الرجل. توفّرت له فرصة يراه. رجل فلبيني أنيق. بدلة كاملة مع ربطة عنق، مما يوحي أنه أحد مسؤولي السفارة.

ـ أردنا نعرف الاسم!

تساءل الرجل بأدبه الجم ذاته. سلطان يكاد يبدي استغرابه، و لا يبديه. لم يمنع نفسه يسأل : ـ لماذا؟!

فم الآخر ينفرج ابتسامة متزنة.

ـ يهمنا نعرف صاحب هذه المبادرة!

ما دار في بال سلطان يواجه سؤالا مثل هذا، و ما دار في باله يتردد يُفضي إجابته : ـ الشعب الكويتي.)[44].

         و بموازاة هذا الأمر، نجد العلائق القائمة وِفق مصالح مبطّنة، يكتنفها شيء من الترقب و الحذر، الذي يزاوج فيه الكاتب بين التخييلي و الواقعي بشيء من الفنية البارعة، فالكاتب يقوم بعرض علاقة  المواطن الكويتي مع شخصيات مهمة في الجيش العراقي من أجل مطامح خفية :

( ـ لا أخفي عليك أني ترددت في البدء..

يضمن صوته استغرابه القلق تأكيداً لتردده :

ـ عقيد استخبارات!!

يعود إلى طبيعته :

ـ.. لكني، بعدما أمعنت النظر في الظرف الذي.......

ـ جرى تقديمي بصفتي أحد التجار العراقيين من المقيمين هنا منذ سنوات عديدة.

من خلال ترحيبه بمحمد صالح لم يخف العقيد نامق ارتياحه.

ـ لا نستغني.

لحظة المغادرة بادر العقيد نامق و زوّد محمد صالح برقم تلفونه.. البيت  و المكتب.

ـ لو تصادف. أن احتجت مساعدة.. لا تتردد!.)[45]

       و تأتي هذه العلاقة لتمارس دورها في لحظات التأزم، لتثبت مدى جدواها،  فطلب (سلطان) من عقيد المخابرات (نامق) أن يخلص ابنته من أيدي الشرطة العراقية التي اعتقلتها:

( نامق. نمط الصحبة. الوسيلة و الغاية. التعاون باشتراطات يجب لا تتعدى..

الدالة بحدود. الاستعداد مثله. سطوة نامق.......

ـ عثرنا على ابنك و ابنتك محتجزين في مركز الفروانية.)[46]

         و لكن يبقى لهذه العلاقة حاجزاً لا يمكنها تجاوزه، وواقعاً لا يمكن إغفاله، يفوق المصالح و المطامع، حيث تبقى العلاقة محددة بالقضية وزوال الاحتلال أما عداها فمرفوض:

( ـ إن شاءوا بقوا شركاء محنة كما كانوا شركاء ما قبل..

ينقل عينيه على وجوههم.

ـ.. أمّا أن يكونوا شركاء احتلال..

يترك جملته مفتوحة.)[47]

         لقد صوّر إسماعيل فهد إسماعيل، حدث الاحتلال لدولة الكويت منذ اليوم الأول له، و تحرك في تفاصيله اليومية محتمياً بدقائق الأحداث، من أجل أن لا ينسى الإنسان الكويتي ما قدّمه من تضحيات، و دفاع عن كل شبر من أرضه    و صولاً إلى التحرير، الذي هو بداية النهاية لحقبة دامية.

          من هنا، نصل إلى أنه  تبقى العلاقة و الانتماء للأرض و للوطن هاجساً و محوراً، يحرك مجريات الأحداث المختلفة، و الإصرار على الخلاص من هذا الاحتلال و رفضه بأي ثمن :

( ـ الجانب الأهم من حضور القضية الكويتية في الضمير العالمي يتمثل في صمود الكويتيين و إصرارهم على رفضه و محاربته.. بغض النظر عن الثمن..)[48] 

ب) الموضوع السياسي القومي ( المباشرة و الرمز).

       لقد شكل الهاجس القومي منطلقاً للعديد من الكُتّاب و الأدباء العرب،       و في دولة الكويت حمل راية الهم العربي و القومي الكاتب إسماعيل فهد إسماعيل، حيث عبّرت غالبية إبداعاته الروائية عن مجتمعات عربية كمجتمع لبنان في روايته "الشياح"، و عن مصر في روايته الثلاثية "النيل يجري شمالاً: البدايات"  و" النيل : النواطير" و " النيل : الطعم و الرائحة"، و عن القضية الفلسطينية في عمله الروائي "ملف الحادثة 67"، فهو ـ إسماعيل فهد إسماعيل ـ  يستشعر الأحداث الجسيمة ـ التي مرّت و تمر بالأمة العربية ـ تشغل وعيه و فكره، على اعتبارها همّاً أكبر من الهموم الداخلية ـ الكويتيةـ فهو يتعامل مع نفسه على أنه كاتب عربي أولاً و أخيرا[49]ً، مما حدا به نحو القومية البارزة في معظم إبداعاته.

          و في فترة التسعينيات كانت روايته "يحدث أمس"  خير معبّر عن الهوية العربية المغيّبة تحت وطأة سلطة القمع، فالذات العربية تفقد آدميتها، و تغيب إنسانيتها و حضورها، في ظل فساد النظام الإداري و الأمني، و تتلاعب بالمصائر القرارت و النوازع الفردية، حتى يغدو الإنسان العربي كورقة في مهب الريح تتقاذفه أين تشاء.

         و في هذه الرواية يستحضر الفترة التاريخية (منتصف القرن العشرين)، حيث قمة التأزم العربي تجاه دول الجوار، و ما تشكله الحدود الجغرافية من بتر للعلاقات الإنسانية للإنسان العربي، حيث الأصل و الانتماء و من جانب آخر الارتباط الاجتماعي و العلاقات الناشئة من الاتصال المتقادم، الذي لا يمكن الفكاك منه بقوانين حديثة، فيتوزع الإنسان بين الماضي و بين الحاضر الراهن :

(... جرى اخضاع شط العرب لنوع غريب من التقسيم، فالناس الذين اعتادوا

 يعيشون فيه أو على جانبيه ـ بسبب من توزّع عوائلهم و أملاكهم ـ وجدوا أنفسهم فجأة وقد صاروا شقّين. شق شرقي مرتبط بالتبعية الإيرانية، و آخر غربي مرتبط بالتبعية العراقية)[50].

        فتأخذ الإنسان العربي النوازع، فالحدود الجغرافية لم تكن تشكل عائقاً لتواصله مع أسرته و علاقاته الاجتماعية، و هي الآن تشكل بؤرة المأساة الاجتماعية، حيث جدّية و حتمية الاختيار بين أحد البلدين، و هل بالإمكان اجتثاث الجذور؟ فنفسه و عائلته موزّعة بين طرفي شط العرب، جزء منه في إيران و جزؤه الآخر في العراق، فكيف تتقطع جذوره بين الشطّين، و لكن القرار يجيء حاسماً :

(الأمر الحكومي واضح : على جميع السكان ملازمة بيوتهم، والالتزام بعدم مغادرتها في اليوم الفلاني، استعداداً لمجيء موظف التعداد، مع مراعاة تزويدهم بالمعلومات المطلوبة كافة)[51].

    هذا الوضع المرتبك جعله مشتت الروح و الجسد، فأخبار أسرته في الطرف الآخر يؤلمه، و ما يعانونه من شظف العيش من بعده كان يسحقه، فقرر السفر إليهم برغم المخاطر، و لكن الأعين كانت له بالمرصاد :

( ـ كنت مذهولاً تماماً. الجنود ـ في لمح البصرـ يحيطون بي في زورقي،

   و قبل أن أنتبه لما يحدث لي كانت القيود في يدي. أردت أقول لهم..)[52].

         و من جانب آخر، يطرح موضوع الإنسان العربي الذي تغيبه السجون بلا سبب، وإذا ما أُريدَ إلباسه تهمة فلا مخرج له، ولا سبيل للاعتراض، فيأخذ المسؤولـ الضابطـ بالبحث له عن تهمة تبرر دخوله إلى السجن، فهو لا يعرف عنه شيئاً، ولا عن الجهة التي اعتقلته:

(.. يواجه بسؤال من الضابط يتضمن دهشة منزعجة :

ـ كيف وصلت إلى هنا ؟!

رغم ما أبداه الضابط، أحس سليمان بارتياح صغير. سؤالهم يؤكد جهلهم حالته، معنى هذا فرصة سانحة كي يوضّح لهم.

ـ في الحقيقة هناك سوء فهم.

قالها سليمان متردداً، فواجهه الضابط بغضب خالص :

ـ سوء فهم!!.. ممن ؟!

فرصة سليمان للتوضيح ما تزال سانحة.

ـ مِنَ الذين اقتادوني إلى هنا.

الضابط بصبر نافد :

ـ من هم الذين اقتادوك إلى هنا ؟!

ـ شابان لا أعرفهما.

الضابط بعد تفكير قصير:

ـ عسكريان ؟

ـ لا )[53].

فيحاول الضابط معرفة السبب الذي أُخذ (سليمان) مخفوراً لأجله،حتى يتم سجنه :

( ـ لماذا اعتقلوك ؟!

الحيرة في إجابة سليمان :

ـ لا أدري!

الضابط و قد تسرّب الشك إلى صوته :

ـ التهمة الموجهة إليك ؟

الحيرة باقية مع سليمان:

لا أعرفها!)[54].

فيقرر الضابط إعمال عقله مع هذا الموقوف، لابد أن يوصمه بتهمة تبرر دخوله التوقيف: (ـ كيف اقتادوك حتى هنا ؟

ـ معهم سيارة جيب.

ـ عسكرية ؟

ـ نعم.

الضابط يهز رأسه إيحاء بالمعرفة .

ـ الجهة التي باشرت أمر اعتقالك وحدة خاصة من وحدات أمن الثورة.)[55].

         و بعد عام من الغياب في غياهب السجون، يأتي مُثول (سليمان)بين يدي القاضي، فيسأل القاضي الضابط عن سبب اعتقال (سليمان) :

(ـ ما هي قضية هذا المتهم ؟

صوت القاضي المعني لا يخلو من حدّة مقصودة. الضابط و قد تملّكته الحيرة، يعود يدقق في الصحيفة الجنائية التي حررها قبل ما يزيد على العام.

ـ لا أعرف!

يردد بصوت يشوبه هامش خجل، في الحين الذي بادره فيه قاضي اليمين :

ـ التهمة الموجهة إليه... ما هي ؟

لكن إجابة الضابط تؤكد :

ـ لا أعرف !

القاضي الوسط يتدخل :

ـ لماذا أمرت باعتقاله... إذن ؟!)[56]

فيأتي الحكم ببراءته، بعد عام من السجن!:

( نظراً للقناعة المتوفرة لدى هيئة المحكمة.. قررنا حفظ القضية الخاصة بالمتهم

 سليمان يوسف، و نأمر بإطلاق سراحه )[57].

و لكن، هل هناك ما يوقف هذه المهازل بأقدار الإنسان ؟ هل هناك ما يوقف هذا العبث بالأرواح و المصائر بدعوى المصادفات :

( كيف للحياة تتشكل عبر مجموعة مصادفات تصنع أحداثها، و أحداث تتمخض عن جملة مصادفات )[58]

       و هكذا تدور دائرة حياة الإنسان العربي، تتلاعب الأقدار بحياته، و تأخذه دوّامة التقلّبات السياسية حيثما تشاء، فتعيده إلى نقطة البدء في الدوّامة :

(ـ ما حدث أمس يحدث اليوم )[59].

     و تعود رحى العبث تطحن عمر الإنسان، بدعوى الأمن، فيعود (سليمان) يجرش في رحاها:

 ( قبل وصوله منعطف الدروازة تمخّض الظلام المحيط به عن شبحين لرجلين.

ـ قف !!

صرخة حاقدة مكتومة و مقطوعة تنفذ في أذنيه، و عند الفرجة الكائنة بين عينيه واجهته فوّهة مدفع رشّاش.)[60].

فأي أمان إذا غاب أمان الإنسان في أرضه.

         يمكننا القول من خلال ما سبق، إن إسماعيل فهد إسماعيل  طرح موضوعه بشيء من المباشرة، و الواقعية المأساوية الساخرة، التي ترسم صورة من المعاناة التي تمر بالإنسان، و ما يعانيه من سحق و وأد لآدميته تحت مختلف الشعارات مما أخرج الحياة من معناها إلى اللا معنى، و خلق الفوضى و العبثية بمقدرات إنسان هذا العصر، الذي أصبح مهمشاً في وعيه و فكره و حياته و لا يمتلك القرار بل تحركه أيدي العبث كدمية في أي تجاه.

        و يتابع الكاتب "حمد الحمد" في روايته "مساحات الصمت" حالة الهم القومي، الذي يعيشه الإنسان العربي و الحرية و حقوق الإنسان، و إن بشيء من الرمز الشفيف، فهو محاط بأجهزة التنصت، مما يدعو المواطنين لاتخاذ الصمت شعاراً، فيعرض "حمد الحمد" بصورة رمزية هذا الحال من خلال سكان (عربستان)، الذين يُعلن لهم عن قُرب مرور قمر صناعي تابع لجمعية حقوق الإنسان، على جمهوريتهم ليستمع إلى شكواهم، فيكون قرار الجمهورية :

(... إن الحكومة العربستانية اتخذت قراراً في لحظة عبور القمر الصناعي "أحرار2" حيث منعت التجوّل في الطرقات للإنسان و الحيوان و الجماد، و كذلك منعت أي كائن من الوقوف فوق السطوح، و من يخالف ذلك يكون مصيره الإعدام كونه خالف تعليمات أولي الأمر و خالف تعليمات الخالق، فالشكوى لغير الله مذلة)[61]

       و يتخلّى أحد الكُتّاب (مسعود الكواكبي) عن الكتابة السياسية، و يتجه للكتابة حول الزراعة و النخيل و آفاته، و هجوم النمل عليه مما يُضرّ به،       و لكن ـ هذا الأمر ـ يُرفض على اعتبار أن قراءة ما بين السطور أوصلهم لمعانٍ خفيّة تتضمنها المقالة ؛ فيُستدعى الكواكبي ليكتب تعهداً بعدم الكتابة عن النمل!،و قيل له :

( ـ أنت كالنملة ليس باستطاعتك تحمّل السجن... لهذا اكتب تعهداً.

كتب الكواكبي تعهداً بعدم الكتابة عن النمل مرة أخرى، و لكن سيكتب عن النخيل...)[62].

       و تدور العديد من الهموم، و الأحداث التي يعيشها الإنسان بصورة رمزية ساخرة، و ذلك بقيام أجهزة المخابرات الأمنية بوضع شذرات كمبيوترية بحجم رأس الإبرة في أسفل أرنبة أذن كل شخص بغية معرفة كل ما يقوم به المواطنون، فيقرر السكان الصمت (قرية الصامتة) و يتعاملون بلغة الإشارة، مما يجلب عليهم الراحة، و من ثم يقول أحدهم بعد أن رأى حال هذه القرية :

( ـ و إذا كان سكان "الصامتة" لا يتكلمون، فإننا جميعاً لا نتكلّم، و إن تكلّمنا فإن مساحات الصمت لشاسعة.)[63]

       فالحرية مطلب كل الشعوب، و هم قومي يخوضه "حمد الحمد" في مختلف تفاصيله الصغيرة منها و الكبيرة (يهدف القول بأنه ليس هناك شيء أثمن من الحرية إلا الحرية نفسها)[64]، فحياة الشعوب تتحول إلى حياة مليئة بالتناقضات الساخرة في إحدى عشرة مساحة[65] من مساحات الصمت.

       إن البناء الفني في الرواية الكويتية جاء بصورة موائمة مع الموضوع المطروح ؛ فالموضوع الاجتماعي تطلب بناءً يتوائم مع تتابع الأيام و الليالي بينما جاء الموضوع السياسي يحمل الاضطراب و القلق و منه جاء البناء عاكساً لهذا القلق و الاضطراب في كثير من الأحايين، فكما جاء البناء للموضوع الاجتماعي متتابعاً من أجل تسليط الضوء على واقع الأيام في الماضي أو الحاضر، جاء البناء للموضوع السياسي متقافزاً فوق حاجز التتابع إلى بناء ينمي حالة الاضطراب في الأفكار و المواقف و الأوضاع، و بهذا يحقق كل كاتب التفاعل مع موضوعه بصورة أعمق.

 



[1]الأسرة الممتدة هي التي يتواجد فيها الوالدان و الأبناء و زوجاتهم و الأحفاد، و يتواجد فيها أحياناً الجد و الجدة للأب  و العمات كذلك.

[2]انظر رواية الكاتب عبد اللطيف خضر الخضر "أحلام في مهب الريح" /ص57.

[3]المصدر نفسه ص65.

[4]خولة القويني/البيت الدافئ/ص187.

[5]المصدر السابق/ص188.

[6]انظر رواية الكاتب حمد الحمد " زمن البوح".

[7]انظر رواية الكاتب إسماعيل فهد إسماعيل " بعيداً إلى هنا ".

[8]المصدر السابق ص16.

[9]طالب الرفاعي/ظل الشمس/ ص22.

[10]المصدر نفسه ص119.

[11]المصدر السابق ص119.

[12]طالب الرفاعي/ظل الشمس/ ص 137.

[13]إسماعيل فهد إسماعيل / بعيداً إلى هنا /ص 130.

[14]حمد الحمد / زمن البوح/ ص121.

[15]و يطلق عليهم في الكويت " البدون" أي بدون هوية تثبت انتماءهم للوطن ( الكويت).

[16]حمد الحمد/زمن البوح/ ص116.

[17]حمد الحمد / زمن البوح / 184.

[18]فهد حسين / مسافات الدخول/ص 92.

[19]تناول العديد من الكتّاب موضوع الغزو العراقي لدولة الكويت في مجموعاتهم القصصية، و منهم ليلى العثمان في مجموعتها (الحواجز السوداء)، و حمد الحمد من خلال مجموعته (ليالي الجمر) و غيرهم.

[20]انظر رواية إسماعيل فهد إسماعيل(إحداثيات زمن العزلة).

[21]انظر رواية عبد اللطيف خضر الخضر(جنكيز خان تحت الأبراج).

[22]انظر رواية خولة القزويني(جراحات من الزمن الرديء).

[23]المقصود بالموضوع السياسي المحلي المقاوم هنا حادثة احتلال دولة الكويت، و التأزم الحاصل في داخلها، و انتشار الفعل المقاوم.

[24]المقصود بالموضوع السياسي القومي هنا مشكلات و قضايا تمس الانسان العربي بكل انتماءاته و أطيافه.

[25]انظر رواية الكاتب إسماعيل فهد إسماعيل "يحدث أمس".

[26]في الثاني من أغسطس1990م،قام النظام العراقي بغزو دولة الكويت، مخترقاً كل النُظُم و الأعراف الدولية، فعاث في الأرض حتى خروجه في فبراير1991م، و في هذه الفترة عانى الشعب الكويتي الكثير، فمن انتهاك لإنسانية الإنسان بالقتل أو الأسر أو الاعتقال، أو بهدم للبنى التحتية و انقطاع البلد عن العالم الخارجي.

 [27]جاءت رواية إسماعيل فهد إسماعيل "إحداثيات زمن العزلة" في أجزاء سبعة، يحمل كل جزء منها عنواناً يعبِّر عنه.

[28]لقد قدّم عبداللطيف خضر الخضر روايته "جنكيز خان تحت الأبراج" و قدمت خولة القزويني روايتها "جراحات من الزمن الرديء" يعبران من خلالهما عن النزعة الوطنية المنتامية بفعل حدث الاحتلال.

[29]ممدوح القديري/الرواية في زمن الغضب/مركز الحضارة العربية(القاهرة)/ط1(2000م)/ص47.

[30]المرجع نفسه/ص48.

[31]المرجع السابق/ص42.

[32] إسماعيل فهد إسماعيل/إحداثيات زمن العزلة/دار الوطن(الكويت)/ط2(1996م)/ج1/ص223.

[33]د.علي عبد الخالق علي/الفن القصصي/ص77.

[34]لقد اعتمد أسلوبأً يسقط فيه الكثير من حروف و أدوات الربط بين المفردات، معتبراً أنها لغة كتابية تميزه و تخصه. أنظر إسماعيل فهد إسماعيل ( ارتحالات كتابية ) للدكتور مرسل فالح العجمي.

[35]إسماعيل فهد إسماعيل/إحداثيات زمن العزلة/ج1/ص239.

[36]المصدر السابق /ج6/ص138.

[37]نبيل سليمان/الرواية العربية(رسوم و قراءات)/مركز الحضارة العربية(القاهرة)/ط1(1999م)/ص13.

[38]إسماعيل فهد إسماعيل/إحداثيات زمن العزلة/ج1/ص272.

[39]فتحي أبو رفيعة/ تفكيك الرواية/ المجلس الأعلى للثقافة(مصر)/(2000م)/ص84.

[40]إسماعيل فهد إسماعيل/إحداثيات زمن العزلة/ج1/ص271.

[41]كثيراً ما يسقط الكاتب أنْ من جمله، مما يخل بالتركيب اللغوي للجملة، و هذا يعد من أساليبه الواضحة في التلاعب باللغة،        و سنجد تجلي هذا الأمر في مجمل الأمثلة المقدمة في هذه الدراسة.

[42]إسماعيل فهد إسماعيل/إحداثيات زمن العزلة /ج2/ص58.

[43]المصدر السابق/ج1/ص131.

[44]إسماعيل فهد إسماعيل/إحداثيات زمن العزلة/ج1/ ص258.

[45]المصدر السابق/ج1/ص70.

[46]إسماعيل فهد إسماعيل/إحداثيات زمن العزلة /ج5/ص65.

[47]المصدر السابق/ج4/ص36.

[48]إسماعيل فهد إسماعيل / إحداثيات زمن العزلة /ج4/ص36.

[49]د.مرسل فالح العجمي/إسماعيل فهد إسماعيل (ارتحالات كتابية)/رابطة الأدباء في الكويت(الكويت)/ط1(2001م)/ص13.

[50]إسماعيل فهد إسماعيل/يحدث أمس/دار المدىللثقافة والنشر(دمشق)/ط1(1997م)/ص139.

[51]المصدر نفسه /ص141.

[52]إسماعيل فهد إسماعيل/يحدث أمس/ص147.

[53]المصدر السابق/ص62.

[54]إسماعيل فهد إسماعيل/يحدث أمس/ص64.

[55]إسماعيل فهد إسماعيل/يحدث أمس/ ص66.

[56]المصدر نفسه/ص366.

[57]المصدر السابق/ ص370.

[58]إسماعيل فهد إسماعيل/يحدث أمس/ص373.

[59]المصدر نفسه /ص362.

[60]المصدر السابق/ص397.

[61]حمد الحمد/ مساحات الصمت /ص7.

[62]المصدر السابق/ص11.

[63]حمد الحمد/مساحات الصمت /ص60.

[64]مجموعة مؤلفين/مسافات الحلم (حمد الحمد )/ مقالة بقلم:أنور محمد/ نشيد يتنكر في رواية /جميع الحقوق محفوظة للمؤلف (الكويت) / ط1(2005م) /ص538.

[65]قسم المؤلف الرواية إلى إحدى عشرة مساحة، كل مساحة ترسم لوحة من لوحات الصمت المفروض على الشعوب.

طباعة
أرسل لصديق
حفظ المقال
برامج التواصل الاجتماعي المتجددة والمتطورة ساهمت في إضعاف العلاقات الاجتماعية لا تقويتها.
 
أرسل تعليقك: ما هو عنوان الكتاب الذي قرأته لأكثر من مرة؟
 
قرأت لك: كتاب (قواعد العشق الأربعون) جلال الدين الرومي
 
أدب وأدباء: الشاعر محمد مهدي الجواهري
 
مذكرات امرأة من كوكب الحكمة: أردت رجلاً من زمن الفرسان
 
البيت السعيـد: ( هـوس الرشاقـة - كيف تعاملين الزوج العصبي - ســميــرة وســنــة أولـى روضـــة - لا تكوني فضوليـة)
 
مقالة للأديبة بجريدة الراي: معرض الكتاب وتجربة الكتّاب الحديثة
 
مقالة للأديبة بجريدة الراي: ثقافة الوحدة في الإسلام
 
 
Hardtask