8051953
Replica louis vuittn replica handbags affluence items tend to commonly be actual top in demand. In fact, the amount of humans that replica louis vuitton crave for these items has added absolutely considerably. Today, humans wish to replica watches accept the best of everything, but don consistently accept the money for replica watches it. Murakami`s Cherry Blossom arrangement of animated animation faces breitling replica and blush and replica louis vuittn chicken flowers aswell replica watches succeeded in bringing boyhood to the table and bringing added action to Louis Vuitton handbags. LV food replica watches in Moscow, Russia and in New Delhi, India opened, while the Utah and Suhali collections were replica watches uk aswell released. The 20th ceremony of the LV Cup was aswell commemorated.
 
(البناء الفني في الرواية الكويتية المعاصرة) فصل2- مبحث5 (ب)
الكاتب :زينب عيسى صالح الياسي
عدد مرات القراءة:3704

تابع الفصل الثاني: المبحث الخامس (ب)

ج) الاستباق ( الاستشراف/ المستقبل).

        هو حركة الزمن إلى الأمام متجاوزاً الماضي و الحاضر إلى المستقبل،  و هو (تصوير مستقبلي لحدث سردي سيأتي مفصّلا فيما بعد )[1]، فيعرضه الكاتب كالومضة بتنبؤ أو استشراف في سياق الأحداث، ليعود بعدها الكاتب إلى زمنه بحاضره أو ماضيه ؛ فهو ( قفز على فترة ما من زمن القصة، و تجاوز النقطة التي وصلها الخطاب لاستشراف مستقبل الأحداث، و التطلع إلى ما سيحصل من مستجدات في الرواية)[2]،  و هو بهذا المعنى يوافق ما طرحناه في مبحث الأحداث، من كون مجيء خبر استباقي للأحداث يرصد لما ستؤول إليه الأحداث، و هذا لا يعني أنّ كل ما يأتي من استباق قابل للتحقق ؛ فالكاتب يبقى حراً ـ إلى حد ما ـ في الوفاء، أو عدم الوفاء لما هيأ له، و هذا ما أسماه جيرار جنيت بالتمهيدات الخادعة[3]، بحيث يلجأ الكاتب إليها كلما أراد تضليل القارئ، أو سعى في تمويه خطته السردية.

         و إذا عدنا إلى النص الروائي الكويتي، نجد أنّ الرواية لا تلجأ إلى الاستشراف بقدر ما تلجأ إلى الاستعادة، و لكننا نجدها في بعض النصوص الروائية، بما يؤكد حضور هذا النسق البنائي للزمن و استيعابها لأهميته، و ما يحققه من استشراف، و قراءة للآتي من الأحداث، و ما يخلقه من متعة لدى القارئ.

         و نجد في رواية "ظل الشمس" للكاتب طالب الرفاعي، التعامل الواضح و الفعلي مع الاستشراف، و بناء الحدث، و تراكم السرد، و تكسر الزمن بما يتلاءم مع تكرار انبثاق الاستشراف، أو هي النبوءة، التي ما تفتأ تطل برأسها على القارئ، لتطلعه على إمكانية تحققها ؛ فهي تتحرك على مدار النص بما يشبه الثيمة في إثني عشر موقفاً : ( لن تجني شيئاً من الكويت)[4]، كل هذا التكرار للإشارة الاستباقية، يؤدي إلى تأكيد الحدث النهائي المتمثل في عودة (حلمي) إلى بلده خالي الوفاض.

      و في استباق آخر، لما ستؤول إليه الأحداث، هو لقاء (حلمي) بالكاتب

 طالب الرفاعي في طائرة الذهاب إلى الكويت، و قراءة (حلمي) للأوراق التي يكتب فيها طالب، و ما الكلمات الواردة في الأوراق إلاّ علامات استشرافية تمهيدية : ( ها هي الورقة الصغيرة التي كان يدوّن فيها ملاحظاته : ظل الشمس ـ مشروع رواية.. حلمي، نعمة، المهندس رجائي، منال. اسمي و نعمة؟! هو يعرف نعمة أيضاً ؟ لقد صدق ظني، منذ رأيته في المطار  و نظرته الدببة، شعرت أنّ شيئاً وراءه.. من أين يعرف نعمة ؟ هل يعرف ما بينها و بيني ؟ من هو المهندس رجائي ؟ لا أعرف أحداً بهذا الاسم، و من تكون منال ؟ مشروع رواية !! )[5].

       كل هذه الأسماء، هي علامات استباقية لشخوص ستدور أحداث الرواية حولها، مما جعل من هذا الاستشراف أداة تمهيدية، لما سيستقبل من الوقائع ( وإعداد القارئ لتقبلها، كما لو كانت أمراً ثابتاً لا مناص منه )[6]، حتى أنّ (حلمي) صار مسيّراً في كافة أفعاله، و كأنّه مساق إلى قدره، المرسوم له بإتقان.

      إنّ رواية "ظل الشمس" اعتمدت في أحد ركائزها البنائية للزمن على الاستباق كركيزة أساسية داعمة و محركة للحدث، كما كان الاسترجاع ركيزة مهمة في بنائها الروائي و تحريكه، و هذا ما يعدُّ ميزة، و مَقْدِرة فنية يمتلكها الكاتب، بحيث مكّنته من استئثار اهتمام قارئه بنصه ؛ فهو قد أحكم شباكه، بحيث لا يمكن للقارئ التخلي عن النص، لما فيه من وتيرة متصاعدة للأحداث   و انكشاف و تحَقُّق للومضات الاستشرافية بصورة سريعة، و بنغم متعالي،  لا يمكن التخفيف من حدَّته ؛ و لأن ما يميز الإبداع الروائي ( هو مقدرة الروائي على تفكيك السائد، و إعادة تشكيله وفق رؤى متقدمة، و حيل فنية سلسة، و ليس العبث في الزمن، و تكسير تراتبيته، سوى حيلة من أهم الحيل الفنية في الرواية )[7]، و هذا بالضبط ما قام به طالب الرفاعي في ظل الشمس ؛ فبالرغم من مألوفية الموضوع المسرود، إلا أنّ تلاعبه الفني و التنقل الزمني بين الأحداث، رقى بالعمل إلى مستوى من التألق، مما يعد من سمات الرواية الجديدة[8].

       و بالرغم من الاستخدام المكثّف للاستباق في رواية "ظل الشمس"، إلا أنّ هذه التقنية في البناء الزمني تُعدّ أقل تواتراً في السرد من الاستذكارات[9].

       أمّا في النصوص الروائية الأخرى ؛ فنجد الاستباق يأتي خاطفاً نادراً، ففي رواية "إحداثيات زمن العزلة"، و في جزئها الثالث، يأتينا استباق بحسب وظيفته الروائية، التي أدّاها في فترة زمنية لاحقة.[10]فالشخصية الرئيسة (سلطان)، يفاجأ بزيارة ثلاثة فلسطينيين، و بشكل خاص بعد تسليمه لقائمة تضم أربعة أسماء لأشخاص متعاونين مع الاحتلال، منها هؤلاء الثلاثة، الذين قَدِموا لزيارته، مما دفعه لاستدعاء رجال أسرته، قائلاً لهم : (أحتاجكم شهوداً)[11].

       هذه الجملة بما تضمنته بعد ذلك من حوار بين سلطان و الثلاثة، كانت ذات دلالة استباقية، لما ستجري عليه الأحداث لاحقاً؛ ففي اليوم التالي، داهم العسكر منزل سلطان، حيث اقتيد للاستجواب، لقد كان لحضور رجال أسرته شهوداً، سبباً في الإفراج عن سلطان.

       و في رواية "النواخذة" للكاتبة فوزية شويش السالم، نجد الاستشراف تفصح عنه "هيا" بنت النوخذة، الفاقدة لعقلها ؛ فهي تستبق الأحداث بالإخبار عن الطاعون: ( ـ أخاف.. أخاف.. أخاف..

أخاف من السطوح.. أخاف الجحور.. أخاف الفيران

أبعدي الفيران.. أبعديها.. أبعدي الفيران.. احجزي الجدار بالجدار.. و ابني فوقه جداراً.. اردمي الليل و هاتي النهار.. افتحي الباب.. افتحي الباب.. طهري البيت أدخلي النهار  ) [12]

فيعجب أخوها من قولها :

( ـ "هيا" هذا كلام مخيف.. ما تعنين يا "هيا" ؟

من الذي يحاوط المدينة ؟.. قولي يا "هيا" قولي..)[13]

فتجيبه بما تراه رابضاً خلف الأبواب :

( ـ الموت.. الموت يحط.. يجري في الجحور يأكل المدينة.. موت على موت.. الجحور تأكل المدينة.. رماد.. رماد.. خراب و تراب.. دود.. رماد.. موت و رماد )[14]

و تتم النبوءة[15]، و يتحقق الاستشراف :

(المدينة تتساقط.. الواحد تلو الآخر.. يتساقطون. الوباء يحاصرها.. من كل الجهات يحاوطها. من كل الثقوب يتسلل. من كل الجحور يهاجم.. الجرذان بالكاد تجر نفسها، تطل من جحورها، تتسحب بضعف هائل، عطشى تبحث عن مصادر الماء، تتسلقها، تسقط، تموت) [16]

و الموت يلاحق الآدميين :

( الوباء يهاجم بشدة و يضرب.. البراغيث تنتشر في كل مكان تغرز الحمى، تُرسل الورم. الناس ينتفخون.. يتورّمون.. أجسادهم ضعف أحجامها.. الحمى تأكلهم و البراغيث عليهم تتغذى. النساء و الأطفال يتساقطون.. في البيوت، في الشوارع، الأسواق و المساجد. الرعب و الموت يداهم المدينة )[17]

        هذا الاستباق التمهيدي، كان له فعل التَّرَقُّب، و الانتظار المأسور بفداحة

 الحدث القادم، و الترصد للزمن المقبل بجنائزه،المحمّل بالفجيعة و رائحة الفَقْد.

          و في موضع آخر، يأتي الاستباق مُحَملاً بالشَجَن، و بالرفض من قِبَل الآخرين، حين تصيح (هيا) :

( ـ أعمدة تحت الريح.. ريح تهب و ريح تصيح.. غبار.. يرش.. يرش الحوش.. غبار.. ريح تقلع الأعمدة.. أعمدة تتهاوى.. و أعمدة تطيح.. عمود الحوش نايم.. عمود الحوش نايم.

ـ آآآآآآهـ هـ هـ .. آه.. آه .. لأ لألأ.. لأ يا "هيا".. لألألأ هالمرة لا. [18]

 و يتحقق الاستشراف، و كأن القدر قال قولته التي لا تُرَد :

( يموت النوخذة العظيم حاملاً معه موت عصر انتهى بقوانينه، أعرافه، تقاليده، و نكهته..)[19]

      هذا الاستباق، الذي يتحقق بتسارع في نص فوزية شويش السالم، ينسج خيوطه حول المتلقي ؛ فيأسره إلى قلب النص بروعة و انسيابية فريدة، بينما نجد الاستباق ينحسر من الأعمال الروائية الأخرى، بما يؤكد مقولة "جيرار جنيت" (إنَّ الحكاية... لا تلجأ إلى الاستشراف بقدر ما تلجأ غالباً إلى الاستعادة)[20]، و ما يبرر هذا الأمر هو ( أنّ الماضي أكثر وضوحاً من الحاضر،و المستقبل؛ فالماضي و الحاضر، مرتبطان بحقائق حدثت بالفعل، أو تحدث الآن، أمّا المستقبل فما من شيء يضمن لنا أن يأتي على النحو الذي نريده أو نتوقعه)[21].

2) حركة الزمن المتصلة بالسرد.

        إنّ حركة الزمن لها دور مهم في البناء الفني للرواية، و قد اعتمد الكتّاب على العديد من التقنيات الفنية التي تجعل الزمن يدور دورته السريعة في السرد الروائي، أو تجعل الزمن يتراخى فيمتد و يتباطأ محققاً ما يسعى الكاتب إليه،    و أهم هذه التقنيات، هي : الخلاصة، الحذف، المشهد، الوقفة، و قد أطلق "جنيت" على هذه التقنيات الأربع : الأشكال الأساسية للحركة السردية[22].

أ) تسريع الزمن.

       إنّ الزمن الكرونولوجي يستحيل تتبعه من خلال الكاتب ـ  و إلا أصبح عملا توثيقياً تسجيلياً ـ و على  وجه الخصوص حال رغبة الكاتب في استكشاف دواخل شخصياته، فـ(الزمن الداخلي ليس منظومة أزمنة، و إنّما هو زمن متواصل لا حدود فيه بين ما هو ماض و ما هو حاضر أو مستقبل )[23]، و إذا استحال نقل الديمومة إلى الكلام فلا أقل كما يرى "ميشال بوتور" من (توافق سلسلتين زمنيتين أو أكثر في الرواية : ماض + مستقبل، مثلما تجتمع الأصوات في الموسيقى)[24]؛ فالأبنية الزمنية معقّدة بشكل كبير بحيث أنّ أمهر المخططات لا تعدو أن تكون إلا تقريبية، و ذلك لإزالة شيء من الغموض الذي يكتنف النص الأدبي.

       لقد كان لاستحالة التتبع الدقيق للزمن دافعاً للكُتّاب إلى استخدام تقنية التسريع السردي، و نقصد هنا بالتسريع، هو القفز الزمني السردي على فترات زمنية،  لا يرى الكاتب أهمية لحضورها، عندها يقوم باختزال زمن الحكاية،   و تقليصه إلى الحد الأدنى، و ذلك بالتقنيات التالية :

* الخلاصة أو التلخيص.

     هي إيجاز زمني للسرد، يمر عبرها الكاتب على فترات زمنية مروراً سريعاً بإشارات قصيرة، ملخصاً الأحداث و الوقائع في فقرات قصيرة، مختصراً فترات زمنية طويلة، في عبارات مقتضبة أشبه ما تكون فيه التلخيصات بالنظرات العابرة إلى الماضي و الحاضر و المستقبل.

       و كثيراً ما تُقَدَّم هذه التقنية في بداية النص الروائي، ( فتقوم بسد الثغرات الحكائية التي يخلّفها السرد وراءه عن طريق إمداد القارئ بمعلومات حول ماضي الشخصيات و الأحداث التي شاركت فيها)[25]، مما يسهم في الارتقاء بوعي القارئ بالنص، و تمكنه من الإلمام بخيوط تاريخ الشخصيات، و أفعالهم، بغية الوصول إلى صورة متكاملة الأبعاد للشخصيات، من دون إطالة أو إبطاء.

       و في النصوص الروائية قيد البحث، نلحظ اعتماد هذه التقنية عند العديد من الكُتّاب، و لكنني سأتوقف عند روايات الكاتبة خولة القزويني، لما وجدت فيها من وضوح في استعمال تقنية التلخيص، و ذلك من أجل الوصول إلى مقصدها، و هو استيعاب قارئها للشخصيات، و مُجْمل الأحداث ؛ فنجدها مثلا في رواية "البيت الدافئ"، تطرح في تلخيصات متوالية أبعاد شخصياتها، و علاقاتهن، و ما يعتمل في أنفسهم من مشاعر ؛ فهي تقدم تلخيصاً لما يدور في خلد شخصيتها الرئيسة (ميساء) :

( ثلاثة أعوام مضت و الحمل متعذر عليّ يا إلهي، كيف أتصرف، فخالتي تلح على ولدها للزواج من ابنة خالته، كلهم ينظرون إليّ بترقب، يتطلّعون إلى ذلك الحلم المنشود) [26]

        بهذا المونولوج الداخلي، و ما يحمله من تكثيف للزمن السردي، تتكشف لنا أولى خيوط النص الروائي ؛ فهذا التلخيص و الإضاءة الزمنية، تحدد ملامح الأحداث و الشخصيات المقبلة و الصراع القادم ؛ فنجدها في موضع آخر، تقدّم تلخيصاً لشخصية أم الزوج :

( منذ ثلاث سنوات و هي تحتمل هذه الخالة العجوز، التي كبر كل شيء فيها، حجمها، رأسها، طموحها، خبثها، عرفت كيف تحتفظ بأولادها الأربعة تحت ظلّها، و تهيمن على زوجاتهم، هذه المرأة الصلبة التي لم يستطع أي مخلوق أن يقف في وجه إرادتها )[27]

 و من ثم ترسم علاقة شخصيتها الرئيسة بزوجها هاشم :

( كان لقاؤهما يشكل ثنائياً رائعاً. عرف هاشم كيف يسبر أغوارها و يفهم أعماقها، فأحبها حباً شديداً و بادلته تلك العاطفة الجارفة و منحته قلباً فتيّاً يفيض حباً و حيوية، وكبر هذا الحب مع الأيام و سقته لحظات الشوق  و الترقب رذاذاً ندياً من السحر الخفي الذي عجز الآخرون عن فهم سرّه الدفين، فلم تزده المشاكل إلا رسوخاً، هذا ما أثار غيرة الآخرين)[28]

هذا التلخيص للعلاقات و التعاملات، يحوّل الخلاصة إلى ما يشبه ( البوصلة)[29]، التي تشير إلى جوانب عدة في سرعة زمنية كبيرة، حتى  يستقر بها المقام إلى الوجهة المطلوبة، و الحدث الأهم في النص الروائي.

         لقد أسهمت هذه التلخيصات في اختزال ماضي الشخصيات، و بخاصة حينما جاءت في بداية الأحداث، كل ذلك مدعاة لبناء تصوّر واضح المعالم للعالم الروائي المقبل في النص.

         و في رواية "جراحات الزمن الرديء" نجد كذلك التلخيص حاضراً منذ الخطوات الأولى نحو النص، ففي العنوان الذي يجمل القول فيما يحمله الزمن من جراحات بلفظة الرديء، تلخيص شامل لما هو قادم في النص بشكل كلي.

        و إذا ما تخطينا عتبة النص، نجد الكاتبة ترسم صورة شخصيتها الرئيسة (عيسى)، من خلال تلخيصها لماضيه :

( عندما شب عن الطوق ليتلقى المسؤولية مبكراً، واجه الصعاب الكثيرة حتى استقر في وظيفة بسيطة كاتباً في أحد المستوصفات الصحية، فتخلف عن تعليمه ليدخل الجامعة في سن متأخرة... )[30]

و تلحقه برسم صورة للتكوين العائلي الذي يعيشه :

( لن ينسى تلك الصراعات الكبيرة بين والديه اللذين تزوجا على أساس هش، أمه امرأة صابرة، بيد أنّ والده رجلٌ سكيرٌ يعربد في شهواته، و يمضي حيث رغباته و تحمّلت المرأة تربيته مع شقيقته الوحيدة )[31]

         هذه الخلاصة المقتضبة لأزمنة ماضية، تطرحها الكاتبة لتكون نقطة ارتكاز تنطلق بها في بناء موضوعها الروائي، على أسس الماضي التي شيّدتها بتلخيصات متكررة ؛ فهاهي تلخص علاقة شخصيتها الرئيسة (عيسى) بصديقه (حسين)، و ذلك لتنتقل منه إلى عمق هدفها الروائي :

(.. التقى صديقه "حسين" الذي كان دوماً ملاذاً لأحزانه. يُسِرُّه مشاكله التي تعصف به، و هو في السنة النهائية للجامعة، إنه أشبه بالجبل الشامخ الأصم، الذي يضفي على الرائي بعضاً من الجلال و الخشوع. لو استطعت أن تخترق هذا الجبل حتى الأعماق لوجدت فيه حمماً من الإيمان و الصبر صوتاً داخلياً يتحدث بصمت و يبكي بخشوع )[32]   

            فهي لم تدخل في خضم هذه العلاقة، و تفصيلاتها، و كيف نشأت، بل لخصتها في جمل قصيرة موحية بشدة الرابط و متانة العلاقة، و ذلك ما تعوّل عليه في النهوض بأحداثها و شخصياتها، كما اختصرت فترات زمنية،  و أوضاع اجتماعية، و سياسية في جمل قصيرة، ترسم صورة واقع اختزلته الذاكرة، و أرادته نقطة عبور إلى واقع أفضل ؛ فهاهي تلخص صورة انفراج الأزمة، و زوال الاحتلال بجمل مقتضبة، تعبّر عن فرح عارم لا يمكن وصفه : ( الشعب يقف في صفوف متراصة، يستقبل جحافل الجيوش العربية الآتية من حفر الباطن، و تزغرد النساء، و يرقص الشباب، يعبّون هواء وطنهم، بجرعات عطشى لتنطلق إلى الأعماق و جوف الفؤاد، و يصفق الناس لطائرات القوى المتحالفة التي تحلق في الفضاء، تتناغم مع بعضها البعض في تحد كبير)[33]

         مما سبق، نجد أن تقنية الخلاصة شكلت مجمل أعمال الكاتبة خولة القزويني، و ذلك من أجل بلورة أفكار و توجهات شخصياتها، و لتنتقل بعد مقاطع التلخيص إلى لب موضوعها.

و إذا ما توقفنا عند نص الكاتب حمد الحمد " مساحات الصمت"، نجد التلخيص     و الاقتضاب يسير في مجمل العمل الروائي ؛ فالكثير من المواقف تَمُرُّ بالشخصيات، تُقدَّم كملخَّصات، و أفكار متسارعة ؛ فيطرح على سبيل المثال قضية النمل و تداعياتها في تلخيص موجز سريع، يضع فيه لُبَّ فكرته : ( قرأ خبر مقالته الأخيرة "النمل" التي تحدث فيها عن النمل الذي يهاجم النخيل، و يمخر في عروقها حتى تموت و تهوي، و قيل له بأنه تمت قراءة ما بين السطور حيث كان معجباً بالنمل و طموحه و كيف باستطاعته تهديد النخيل الباسق)[34]

        و هكذا الحال يتنقل بين مختلف الأفكار، التي يسعى إلى تقديمها بتلخيص سريع، و كأننا أمام لقطات سينمائية سريعة، يسلط الضوء على مواطن الخلل في جسد الأمة، ليكشفها في زمن متسارع ليس فيه مجال للتوقف، بل لابد من الوتيرة المتصاعدة حتى يتمكن من كشف عينة من الكم الهائل من الممنوعات.

         من هنا نصل إلى أنّ الخلاصة بوتيرتها المتسارعة في السرد، و باعتمادها تقنية للقفز على الفترات الخاملة من زمن الحكاية، تؤدي إلى تلاحم السرد، و ربط أجزاء المتن الحكائي بحيث يمنعه من التفكك و الانقطاع.

 * الحــذف.

          هو إلغاء فترات زمنية، و السكوت على وقائعها من زمن القص،      و ذلك إدراكاً من الكاتب بعدم أهمية الفترة الزمنية المحذوفة، و أنّها لا تضيف شيئاً جديداً يعمق دلالة الحدث الروائي.

         إنّ هذه التقنيةـ الحذف ـ (تشترك مع الخلاصة في تسريع وتيرة السرد الروائي، و القفز به في سرعة، و تجاوز مسافات زمنية يُسْقِطها الراوي من حساب الزمن الروائي )[35].

          و نجد الحذف يكثر في الروايات ذات النسق التتابعي في بناء الأحداث[36]، حيث يستحيل معها تتبع الزمن الكرونولوجي في نص روائي محدد الفترات الزمنية، لذا يلجأ الكاتب لإسقاط فترات زمنية، و ذلك لتسريع السرد من أجل الوصول إلى الأحداث التي تضيف للنص الروائي جديداً، و ما يستحق أنْ يروى.

         و في النص الروائي الكويتي، نجد الحذف يتضح كتقنية في نص عبداللطيف خضر الخضر "أحلام في مهب الريح"، الذي يعتمد في بناء أحداثه على النسق التتابعي ؛ فنجده يسقط فترات زمنية بصورة صريحة :

( وصلت إلى البيت دون أن أدري كم من الوقت استغرقه وصولي ) ص28

( لم أنم في مرقدي بين أمي و أبي في الفناء الكبير غير سويعات فليلة ) ص 35   

 ( لم يمض غير أسبوع حتى وفى خالي بوعده ) ص61   

( مضى أسبوع و لم ينس أبي تحايل ابن خالتي ) ص68

( مضى شهر رجب  ) ص74

( و مرّ يوم.. يومان.. أسبوع.. أسبوعان ) ص94 [37]

       فقد أسقط فترات زمنية من الحساب الزمني للرواية، و ذلك للوصول إلى

 الأحداث الأكثر أهمية في موضوعها الروائي، كما نجد الحذف حاضراً في

 رواية "البيت الدافئ" للكاتبة خولة القزويني، حيث نجده معْلَناً عنه في مواطن مختلفة : ( ثلاثة أعوام مضت ) ص15

( تلك الأيام التي انطوت برهنت حاجته النفسية إليها ) ص139

( انفرطت الأيام عن توازنها الطبيعي ) ص147

( قضت ميساء أيامها الجديدة منعمة هادئة ) ص169

( الأيام الطويلة الراكدة في سماء هذه المرأة ) ص181[38]

       مما سبق نجد أنّ تقنية الحذف وسيلة نموذجية لتسريع السرد، و ذلك بإلغاء ( الزمن الميت)[39]،و تجاوزه إلى فترات أكثر حيوية و مشاركة في بناء أحداث

 الرواية.

ب) إبطاء السرد الزمني.

        إنّ مقتضيات الحكاية، تفرض على السارد في بعض الأحيان، أنْ يتمهل في تقديم الأحداث الروائية، التي يستغرق وقوعها فترة زمنية قصيرة، ضمن حيّز نصي واسع، و في هذا السياق، يمرّ الكاتب على تقنيتين من التقنيات السردية (المشهد أو الوقفة ) تسهمان في تسليط الضوء على بؤر معينة، من أجل شحذ القارئ على التفاعل مع النص، و دفع الحدث إلى شيء من الواقعية ؛ فيقوم باستقدام هاتين التقنيتين أو إحداهما ليحقق مقاصده، و سوف أتوقف عند كل تقنية على حدة من أجل الوصول إلى الوظائف المنجزة من خلال استقدامهما في العمل السردي.

* المشهد.

        يمتلك المشهد حضوراً متميزاً في الحركة الزمنية للنص الروائي (بما يمتلكه من وظيفة درامية تعمل على كسر رتابة السرد )[40]؛ فمن خلال الحوار الداخلي المتمثل في المونولوج، أو الحوار الخارجي (الديالوج)،تُمْنح الشخصيات المجال للتعبير عن رؤيتها بلغتها المباشرة، مما يضفي جواً من الواقعية، كما إنّ حضور المشهد في المتن الروائي (يؤدي دور بؤرة زمنية، أو قطب جاذب لكل أنواع الأخبار، و الظروف التكميلية )[41]، فهو يأتي بحمولة معرفية متنوعة، و متعددة، تسهم في الارتقاء بالوعي بالنص ؛ فمن تفسير لأحداث، إلى تقديم لأيديولوجيا تنطقها الشخصيات، و من عرض لمآزق تحيط بالشخصية إلى جانب العديد من الحمولات المعرفية، و الوظائف التي ينجزها المشهد، تجعل منه تقنية سردية مقوّمة و داعمة للنص الروائي، و سأتوقف عن عدد من الوظائف التي أنجزها المشهد في الرواية الكويتية.

         فالكاتب حمد الحمد في روايته (زمن البوح)، اعتمد المشهد كتقنية تنهض بالنص بصورة كاملة، ففي فصول الرواية (الأربع و الخمسين ) كان المشهد حاضراً في مجمل الفصول، بالرغم من أن الفصل قد لا يتجاوز الثلاث أو الأربع صفحات، مما أسهم في إبطاء السرد بصورة واضحة، لما يتطلبه المشهد من حوارات قد تطول لتشمل الفصل بأكمله. و لعل مرجعية هذا الاستخدام الطاغي للمشهدية هو التجريب، و الخوض الأولي في غمار العمل الروائي، مما دفع إلى الخلط بين أنواع الفنون الأخرى كـ(المسرح)، التي يتطلب فيها المشهد حضوراً بمستوىً يختلف عن حضوره في النص الروائي.

       و لعل هذا الإبطاء السردي الناجز من خلال المشهد في نص حمد الحمد، ما هو إلاّ تأكيد على الرؤية التي يرغب الكاتب في طرحها، و هي الحوار رغم الاختلاف، و ( أن الاختلاف شيء إيجابي، فنحن نستفيد من العيش مع من نختلف، أكثر مما نستفيد ممن يشاركوننا نفس الرأي )[42]، فالحوار الهادئ، و المستمر، و الممتد في أروقة النص، هو السبيل لرأب كل صدع في المجتمع.

       كما نجد المشهد قد يحقق وظيفة أخرى، تتجلى في  مشهد آخر من رواية "النواخذ" لفوزية شويش السالم، حين يكتشف الأب علاقة ابنته (هيا)

 بالبحار (سعود) :

( ـ لا الشمس تعرف طريقك... و لا يدل بابك الهواء...محبوسة داخل الجدران... الصمت يأكل أطرافك... الوحشة رفيقتك، و الظلمة قنديلك... لا حية... لا محنّطة... مثل التمر منك و فيك سوسك يقضي عليك...

ـ لا يا يُبه... دخيلك... على راسك أتوب... أبوس رأسك، أبوس رجلك.

ـ لا شمس تورق ورقك... و نسمة ترف بشعرك... محبوسة في الظلام مع دابة الأرض و رطوبة الجدران... سمعتِ ؟؟

محبوسة في الظلام... روحك كهف و عمرك ديدان.

ـ يا يمة ارحميني... أنا بنت بطنك... اسألي شهورك التسعة... اسألي ماءك... اسألي الرحم كيف ينسى ؟!!

ـ البنت الفاجرة بلا نهار..الظلام يحضن الظلام..و سرك العفن..الظلمة له كفن.

ـ يا خوي حلّف قلبك حلّف الشريان... دمي ما هو دمك... و الا حتى دمك نسّاي!!! و حياة ثدي أرضعنا،و حياة دم وحّدنا...ثوبي أبيض و براءتي نهار )[43]

       لقد أسهم هذا المشهد في إبطاء الخط السردي للحكي، برغم أن الحركة السردية متقدمة إلى الأمام، لكن وتيرة هذه الحركة تتباطأ، مما يحدث (نوع من التماثل بين زمن الحكاية و زمن الحكي[44] من حيث مدة الاستغراق الزمني )[45]، ليحقق المشهد صور و معالم شخصيات، تحتاج إلى إظهار لتكون لبنة، و دعامة في بناء شخصياته من أب و من أخ و من أم و صولا إلى الابنة (هيا). لقد كشف هذا المشهد عن مناطق كانت معتمة في الشخصيات، و سلط عليها ضوءاً كاشفاً، ليبرز مدى الشدة و العنف، و صرامة التقاليد و العادات، التي سادت حقبة طويلة من الزمن.

       أمّا الوظيفة الأخرى للمشهد ـ  التي تضاف إلى وظائفه، هي الإبطاء الزمني ـ ؛ فهي المتجلية في هذا المشهد الختامي من رواية "يحدث أمس" لإسماعيل فهد إسماعيل :

( ـ قف !! صرخة حاقدة مكتومة و مقطوعة تنفذ في أذنيه، و عند الفرجة الكائنة بين عينيه واجهته فوهة مدفع رشاش. لحظتها فقط تبادر إلى ذهن سليمان احتجاج : ـ أنا لم أصل الدروازة بعد !! )[46]

       هذا المشهد عمل على إبطاء وتيرة السرد، و كذلك نهض بفاعلية حكائية كبيرة من حيث كونه آخر مشهد في النص الروائي، و تتجلى هذه الفاعلية من خلال لفت المتلقي إلى أن الحكاية لم تنته بسجن مواطن بطريق الخطأ، أو بدعوى الحفاظ على الدولة بل تتعلق بمصير الإنسان، الذي يغيب عنه الأمان و الحرية في ظل من يدّعي الحرية، من هنا نجد أنّ هذا المشهد الختامي، أكّد حقيقة أن ممارسة القمع و الاعتقال و الغياب خلف الأسوار مستمر لا يوقفه شيء.

       و في سياق آخر، نجد المشهد بالإضافة إلى إنجازه الوظيفة الأساس ( إبطاء السرد )، نجده يحقق تصعيداً درامياً يحتاجه النص، ليخرج من الرتابة، و الوتيرة الخطية في السرد، و نرى تحققه في مجمل النصوص الروائية، ففي رواية "إحداثيات زمن العزلة" للكاتب إسماعيل فهد إسماعيل، على سبيل المثال، نقف على التصعيد المنجز، في أحد المشاهد :

( ـ ماذا حدث ؟!

سؤال سلطان يفصح عن جزعه. تتنبه له إيمان. تناشده :

ـ مهلك !

تنهض، تقترب، تأخذه من يده.

ـ تعال !

ينقاد إليها صامتاً. تدلف به ديوانيته.

ـ حرصنا لا يسمع أبي الخبر !

قالت كمن يفسر أمراً لا يعرفه سلطان. الأخير لا يخفي انزعاجه :

ـ أي خبر ؟!

وجدت تبريرها :

أنت لم تعرف بعد.

أضافت بصوت يتضمن نذير الكارثة :

ـ رمضان !

ملامح وجه رمضان تحضر مخيلة سلطان. كاد يسألها، يستوضحها لولا استطرادها:

ـ.. خرج منذ صباح أمس و لم يعد. )[47]

       إن الإبطاء في السرد الزمني و ذلك بحضور المشهد في النص، عدّ ثيمة أساسية تلازم المشهد، و إلى جانب هذه الوظيفة للمشهد، يسهم كذلك في إعلاء وتيرة الأحداث، و التصعيد الدرامي بحيث يكسر رتابة السرد التي قد تعج في نص متعدد الأجزاء، و لكن حذاقة الكاتب، و تطعيمه النص بهذه المشاهد التي تُصاعد الأحداث، تعيد المتلقي و تجذبه إلى النص الروائي.

       إن المشهد كتقنية فنية متحققة في النص الروائي، لا يمكن حصره في سياق البحث، و حصر وظائفه الناجزة في كل مشهد روائي، و لكنني  ارتأيت أن أبيّن أنه لم يغب من النصوص الروائية، كما إنه كان ماثلاً في ذهنية كتاب الرواية الكويتية، و أنه يحقق وظائف متعددة، تنهض بالنص الروائي، لذا نجد المشهد له الحضور الأوفى في مجمل النصوص الروائية.

* الوقـفـة.

      لقد اعتُمدت الوقفة منذ النصوص الروائية الأولى في الفن الروائي[48]؛ فالرواية التقليدية انغمست انغماساً كبيراً في هذه التقنية الزمنية، حيث يتوقف الزمن السردي، ليقوم الكاتب بالتأمل في منظر خارجي، أو داخلي في الشخصيات، مما يؤدي إلى تعطيل زمنية السرد بما يشبه محطة الاستراحة للكاتب، حيث تجعله الوقفات الوصفية يرسم صورة للعالم الروائي، و الفضاء الذي تسكنه الشخوص، كما تسيطر هذه الوقفات الوصفية على القارئ فتعلق في ذهنه، و كأنّ الفضاء بجماله رآه رؤيا العين، و كأن الزمن عاصره بنفسه، و هذا بالضبط ما أبدع فيه هيكل و المنفلوطي  و دستويوفسكي  وهيجو و تولستوي ؛ فمن خلال الوقفات الوصفية للزمن أو المكان، قاموا بتشييد عالم لا يمكن نسيانه أو تجاوز حضوره الذهني، و هذا مما يعد أهم مميزات  الوقفة.

       و للوقفة حضورٌ في النص الروائي الكويتي، لدى العديد من الكُتّاب، و لكنني سأتوقف عند نصين روائيين هما : "و جنحت الشمس إلى المغيب" لعبد اللطيف خضر الخضر، و رواية "النواخذة" لفوزية شويش السالم، لما لمست فيهما من تميز و وضوح في الوقفات الوصفية، بحيث تأتي كلوحات فنية، أو كصورة فوتوغرافية مقتطعة للفضاء الذي تنهض فيه الأحداث، فيقدم الكاتب

 عبد اللطيف خضر الخضر وقفته الوصفية لقرية الزور :

( كانت الحياة رائعة في قرية الزور، التي يسكن فيها أهالي فيلكا جميعهم بمبانيها القديمة و العتيقة، كل البيوت على الطراز العربي و الحجرات، و اللواوين تدور حول الحوش الكبير، و الشبابيك مطلة على اللواوين.....) [49]

و من ثم ينتقل ليصف أجواء الربيع في قريته الزراعية :

( هذا الموسم تداعب النفس أرق العواطف و فيه تتجمع الطيور، و تكشف الأزاهير عن سر إبداع الخالق العظيم، و يتألف الإلفان على أغصان الشجر،   و كل عش يعرف الكثير عن أحلام قاطنيه... )[50]

      لقد رسمت الوقفة عالماً واقعياً للبيئة التي تدور أحداث الرواية فيها، مما أضفى جمالاً إلى النص الروائي.

          و في رواية "النواخذة" للكاتبة فوزية شويش السالم، تحضر الوقفات بصورتها البهية، و بتمازجها بشاعرية خلاّبة، تفتح آفاقاً للقارئ لاستنشاق عبير الماضي، و استحضار الفضاء كواقع أليف بالنسبة له ؛ فهاهي في إحدى وقفاتها عند شاطئ البحر، تقف لترسم صورة للمشهد بحركته و نشاطه و دأب أصحابه، بلغة شعرية رقراقة :

( صوت المطارق يثقب الفضاء، يضرب مسامير، طاق.. طيق.. طاق طيق،

 صدْرُ الخشب يشهق... دم الألواح يسيل.. طاق طيق.. طاق طيق، القلاليف السمر، المُحَمّصُون بصهد الشمس ولفح القيظ الطويل، المقدّدون بملح البحر     و صبر الصواري.. يعملون بلا كلل.. يكدحون بلا ملل.

السفن جنين البحر، تكبر، تتغذى من حبل سرّة القلاف، من عافيته تنمو، تتضخم، وليد عفيّ، شهي، بهي، لامع، براق وقوي... أشرعتها أجنحة تخبط قلبَ الفضاء بالرفرفة... )[51]

و تقف لتصف الميناء الغاص بالسفن :

( الميناء قلب المدينة الدقاق، الغاص بالسفن الشراعية و التجارة.. البضائع، البحارة، النواخذة و المعدّات.. المتحرك بكل الأدوات و المحرك لكل النشاطات.. الداب في كل الأوقات.. الهائج و المائج.. الحرك و النشيط. قلب المدينة الصاخب و بندولها الرنان.. لا يهدأ.. لا يتوقف.. لا يستريح )[52]

و في وقفة أخرى تربط بين السفن و القلاّف، و العلاقة الحميمة بينهما :

( السفن جنين البحر، تكبر، تتغذى من حبل سرة القلاف، من عافيته تنمو، تتضخم، وليد عفي، شهي، بهي، لامع، براق قوي... ) [53]   

و في موقع آخر تتوقف لتصف خسوف القمر، و حالة الخوف التي تظلل المدينة:

( قلب القمر يشحب، تطوّقه ظلال، تشتجر الشعشعة، تخفي الوميض، يختنق

 وجهه، يصفرُّ، يخضرُّ لونه. القمر بركةٌ خضراء راكدة، الأرض مرتعدة... قمرها تتخاطفه الظلال... الخوف ينشر عباءته، و الهلع رماحٌ ترتز.. المدينة قلبها يرتعش، و شوارعها تأكلها الظلمة،النوم فارق مراقدها،و القوم فزعون )[54]

و في وقفة أخرى، تصف البحر بغمرته، يقوده أسطورة الخليج (النوخذة) :

( الشجاعة وسام صدر الفحل.. و نحن رجال ما يعرف الخوف طريقاً إلينا، البحر... هذا الذي تراه يزبد، يرعد، يهدد و يثور، يقاتل الرجال، و يفتك بالسفن... هذا البحر الغادر... أمام شراستنا أسد روضناه.. و في يدنا سلسلته و مفاتيحه.. )[55]      

       و تتقاطر العلاقات بين أشياء البحر، السفينة، النوخذة، الطوّاش، اللؤلؤ، المحار، الغوّاص، لتتشكل بؤرة و وقفة وصفية ترسمها الكاتبة بانسيابية :

( النوخذة مدين لمالك السفينة..مالك السفينة مدين للتاجر و الطواش..الطوّاش

 مدين للؤلؤ..اللؤلؤ مدين للمحار..المحّار مدين للغوّاص..الغوّاص مدين للنوخذة)[56]

 و توشّي نصها بوقفة حالمة بين يدي الفجر، في خضم البحر :

( يأتي الفجر خلسة.. يتسرب من خروم الظلمة.. يبرز النسيج و يوسعه..

 يسكب البنفسج في حضن الأرجوان يمزجهما في حليب الزرقة.. يطلي السماء ثم يطرش في البحر فضلة الباقي. و يخرج الفجر بكامل بهائه و حسنه.. يطل ببراءة أول النهار.. محملاً بالروائح، نسيم البحر و نسيم البر، و الكون سكران بالأريجين. تستيقظ السفن.. تهسهس مواقدها.. تغلي أباريق الشاي.. و تدور قدوع التمر.. ثم يبدأ الجميع في فلق المحّار الميت و إخراج اللؤلؤ ) [57].

و تنتقل في وقفة أخرى إلى الأهوال، التي تعترض النوخذة و هو في عرض البحر :

( النوخذة أوامر... و الريح طوفان.. تبتلع الجهات و تعصف.. تهز السفينة هزّاً.. تؤرجحها.. تقلب البضائع.. و تفقدها التوازن. العاصفة تنفخ الأشرعة تضربها في القلب و تعصف.. ريح رؤوس الجبال تهب.. تصطدم بمدخل الخليج و تضربه)  [58].

 

        إنّ انثيال الوقفات الوصفية في نص فوزية شويش السالم، تكاد تكون كالمطر بزخاته المنهمرة على الحجر و المدر ؛ فيعشوشب النص، و تتجذر صورته في لوحة العقل، بحيث يستحيل اقتلاعها من ذهنية القارئ، إلا بنص يفوقه، و يرسم المشهد كما رسمته أو أرقى، و لعلّ ما يماثلها في رسم الصورة هو الكاتب "حنا مينا" في روايته حكاية بحّار، و لكن تبقى الخصوصية المطلقة في رسم صورة بحر الخليج بجماليته، و روعته للكاتبة فوزية شويش السالم بلا منازع.

       من هنا نصل إلى أنّ من أهم دعائم بناء النص الروائي،هو الزمن بما يحمله من تقنيات كالاسترجاع،و الاستباق، و المشاهد،و الوقفات، و التلخيص،  و الحذف، التي تسهم في رسم صورة واضحة المعالم للحياة المراد تجسيدها ؛ فبالزمن يوهب النص الحياة، و توهب الحياة للشخوص و الأمكنة، و من هنا يأتي الترابط بين الزمان و المكان في العمل الروائي ؛ فـ( الزمن لا يجوز له أن ينفصل عن المكان إلاّ إجرائياً)[59].

 



[1]د.مها القصراوي/الزمن في الرواية العربية/ص211.

[2]حسن بحراوي/بنية الشكل الروائي/132.

[3]المرجع نفسه ص136.

[4]طالب الرفاعي/ظل الشمس/ص22.

[5]المصدر السابق/ص38.

[6]حسن بحراوي/بنية الشكل الروائي/ص136.

[7]أحمد حمد النعيمي/إيقاع الزمن الروائي في الرواية العربية المعاصرة/المؤسسة العربية للدراسات و النشر(بيروت)/ط1(2004م) /ص36.

[8]د.مها القصراوي/الزمن في الرواية العربية/ص212.

[9]حسن بحراوي/بنية الشكل الروائي/ص133.

[10]د.مرسل فالح العجمي/إسماعيل فهد إسماعيل(ارتحالات كتابية)/ص57.

[11]إسماعيل فهد إسماعيل/إحداثيات زمن العزلة/ج3/ص15.

[12]فوزية شويش السالم/النواخذة/ص175.

[13]المصدر السابق/ص175.

[14]فوزية شويش السالم/النواخذة / ص176.

[15]  أسمت الكاتبة فوزية شويش السالم هذا الاستباق بالنبوءة. انظر رواية النواخذة ص177.

[16]المصدر نفسه ص179.

[17]المصدر السابق ص179.

[18]فوزية شويش السالم/النواخذة/ص266.

[19]المصدر نفسه/ص270.

[20]جيرار جنيت/عودة إلى خطاب الحكاية/ تر:محمد معتصم/المركز الثقافي العربي (الدار البيضاء)/ط1(2000م)/ص33.

[21]أحمد حمد النعيمي/إيقاع الزمن في الرواية العربية المعاصرة/ص113.

[22]حسن بحراوي/بنية الشكل الروائي/ ص113.

[23]مصطفى التواتي/دراسة في روايات نجيب محفوظ الذهنية/ص145.

[24]المرجع نفسه/ص145.

[25]حسن بحراوي/بنية الشكل الروائي/ص146.

[26]خولة القزويني/البيت الدافئ/ص15.

[27]المصدر نفسه/ص16.

[28]المصدر السابق /ص.17.

[29]حسن بحراوي/بنية الشكل الروائي/ص149.

[30]خولة القزويني/جراحات الزمن الردي/ص14.

[31]المصدر نفسه /ص13.

[32]المصدر السابق/ص15.

[33]خولة القزويني/جراحات الزمن الرديء/ص124.

[34]حمد الحمد / مساحات الصمت/ص10.

[35]د.مها القصراوي/الزمن في الرواية العربية/ص232.

[36]المرجع نفسه ص233.

[37]عبد اللطيف خضر الخضر/أحلام في مهب الريح.

[38]خولة القزويني/البيت الدافئ.

[39]حسن بحراوي/بنية الشكل الروائي/156.

[40]د.مها القصراوي/الزمن في الرواية العربية/ ص239.

[41]د.مرشد أحمد/البنية و الدلالة في روايات إبراهيم نصر الله/المؤسسة العربية للدراسات و النشر(بيروت)/ط1(2005م)/ص317.

[42]حمد الحمد /زمن البوح/ص183.

[43]فوزية شويش السالم/النواخذة/ص34.

[44]زمن الحكي هو زمن خطي للسرد، يقدم الأحداث واحدا تلو آخر، بينما زمن الحكاية هو الزمن بأبعاده المتعددة.

[45]د. مرشد أحمد/ البنية و الدلالة /ص318.

[46]إسماعيل فهد إسماعيل/يحدث أمس/ص397.

[47]إسماعيل فهد إسماعيل/إحداثيات زمن العزلة/ج1/ص264.

[48]انظر رواية "زينب" لهيكل، و الأجنحة المتكسرة لجبران، و روايات المنفلوطي المترجمة (ماجدولين/ الفضيلة) و كيفية إبحارها في عالم الوقفات الوصفية.، و كذلك الروايات العالمية كرواية:البؤساء لهيجو و رواية الحرب و السلام لتولستوي و الجريمة و العقاب لدستويوفسكي.

[49]عبداللطيف خضر الخضر/وجنحت الشمس إلى المغيب/ص11.

[50]المصدر نفسه ص15.

[51]فوزية شويش السالم/النواخذة/ص20.

[52]المصدر السابق/ ص21.

[53] فوزية شويش السالم/النواخذة/ ص20.

[54]المصدر نفسه / ص39.

[55]المصدر السابق/  ص72.

[56]فوزية شويش السالم/ النواخذة/ ص224.

[57]المصدر نفسه / ص226

[58]المصدر السابق / ص259

[59] وهيبة أحمد صبرة /البنية الروائية في يموتون غرباء" /بحث مقدم لنيل درجة الماجستير/جامعة صنعاء/ص132.

طباعة
أرسل لصديق
حفظ المقال
برامج التواصل الاجتماعي المتجددة والمتطورة ساهمت في إضعاف العلاقات الاجتماعية لا تقويتها.
 
أرسل تعليقك: ما هو عنوان الكتاب الذي قرأته لأكثر من مرة؟
 
قرأت لك: كتاب (قواعد العشق الأربعون) جلال الدين الرومي
 
أدب وأدباء: الشاعر محمد مهدي الجواهري
 
مذكرات امرأة من كوكب الحكمة: أردت رجلاً من زمن الفرسان
 
البيت السعيـد: ( هـوس الرشاقـة - كيف تعاملين الزوج العصبي - ســميــرة وســنــة أولـى روضـــة - لا تكوني فضوليـة)
 
مقالة للأديبة بجريدة الراي: معرض الكتاب وتجربة الكتّاب الحديثة
 
مقالة للأديبة بجريدة الراي: ثقافة الوحدة في الإسلام
 
 
Hardtask